صديق الحسيني القنوجي البخاري
331
فتح البيان في مقاصد القرآن
القربى بالذكر لأن الميل إليهم أكثر من غيرهم ، والمعنى لا نؤثر العرض الدنيوي ولا القرابة ، وجواب لو محذوف لدلالة ما قبلها عليه أي ولو كان ذا قربى لا نشتري به ثمنا . وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ معطوف على لا نَشْتَرِي داخل معه في حكم القسم ، وأضاف الشهادة إلى اللّه سبحانه لكونه الآمر بإقامتها والناهي عن كتمها ، قال ابن زيد : لا نأخذ به رشوة إِنَّا إِذاً إن كتمنا الشهادة لَمِنَ الْآثِمِينَ . أخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم باللّه ما كتمتماها ولا اطلعتما ثم وجدوا الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي . وقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا باللّه لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم وأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآية « 1 » ، وفي إسناده محمد بن أبي القاسم الكوفي قال الترمذي : قيل إنه صالح الحديث ، وقد روى ذلك أبو داود من طريقه . وقد روى جماعة من التابعين أن هذه القصة هي السبب في نزول الآية ، وذكرها المفسرون مختصرة ومطولة في تفاسيرهم ، وقال القرطبي : إنه أجمع أهل التفسير على أن هذه القصة هي سبب نزول الآية . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 107 إلى 108 ] فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 107 ) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 108 ) فَإِنْ عُثِرَ يقال عثر على كذا اطلع عليه ويقال عثرت منه على خيانة أي اطلعت وأعثرت غيري عليه ومنه قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ [ الكهف : 21 ] وأصل العثور الوقوع على الشيء ، وقيل الهجوم على شيء لم يهجم عليه غيره وكل من اطلع على أمر كان قد خفي عليه قيل له قد عثر عليه . والمعنى أنه إذا اطلع وظهر بعد التحليف عَلى أَنَّهُمَا أي الشاهدين أو الوصيين على الخلاف في أن الاثنين وصيان أو شاهدان على الوصية اسْتَحَقَّا أي استوجبا إِثْماً إما بكذب في الشهادة أو اليمين أو بظهور خيانة بأن وجد عندهما مثلا ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الوصايا باب 35 ، وأبو داود في الأقضية باب 19 .